أكثر من 130 خبيراً أممياً يقدمون تعريفاً مشتركاً للقمع العابر للحدود ويدعون إلى تحرك دولي لمواجهته
يرحب المنبر المصري لحقوق الإنسان بـالبيان المشترك الصادر عن أكثر من 130 خبيراً وخبيرة من خبراء الأمم المتحدة، والذي يدعو الدول والمنظمات الدولية، بما فيها المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول»، والشركات، ولا سيما شركات التكنولوجيا، إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمنع القمع العابر للحدود والتصدي له، ومحاسبة المسؤولين عنه، وتوفير الحماية والمساعدة لضحاياه.
شارك في توقيع البيان عدد واسع من المقررين الخاصين وأعضاء فرق العمل واللجان التعاهدية التابعة للأمم المتحدة، من بينهم المقررون الخاصون المعنيون بالمدافعين عن حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، وحرية الرأي والتعبير، والخصوصية، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء؛ وأعضاء الفريقين العاملين المعنيين بالاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري أو غير الطوعي؛ إلى جانب عدد من اللجان التعاهدية.
ويرى المنبر أن البيان يمثل تطوراً نوعياً في تعامل المنظومة الأممية مع القمع العابر للحدود. فلم يعد يُنظر إلى هذه الممارسات بوصفها حوادث منفصلة مرتبطة بدول أو حالات فردية، وإنما باعتبارها نمطاً متنامياً ومتكاملاً من الانتهاكات يهدد حقوق الإنسان وسيادة القانون والفضاء المدني وحماية اللاجئين وحرية الصحافة، ويقوض قدرة المدافعين والمنظمات الحقوقية على التواصل الآمن مع الآليات الدولية.
تعريف أممي جامع للقمع العابر للحدود
تنبع الأهمية الاستثنائية للبيان من تقديمه تعريفاً أممياً واضحاً للقمع العابر للحدود، باعتباره «الأفعال التي تنفذها أو توجهها دولة، أو أحد وكلائها، بهدف ردع أو إسكات أو معاقبة المعارضة أو الانتقاد أو الدفاع عن حقوق الإنسان الموجّه إليها من خارج إقليمها».
ويشكل تبني أكثر من 130 خبيراً وخبيرة من مختلف آليات الأمم المتحدة لهذا التعريف خطوة مهمة نحو بناء فهم أممي مشترك للظاهرة. ويركز التعريف على الجهة المسؤولة عن الفعل، وطابعه العابر للحدود، والغرض القمعي منه، بدلاً من حصر القمع العابر للحدود في قائمة مغلقة من الانتهاكات.
ويسمح هذا التعريف باستيعاب الطبيعة المتطورة للظاهرة، بما يشمل الأدوات المادية والرقمية والقانونية والإدارية، وكذلك استخدام أفراد الأسرة والأقارب الموجودين داخل الدولة الأصلية وسيلةً للضغط على المدافعين والمعارضين المقيمين في الخارج.
ويؤكد البيان أن أدوات القمع العابر للحدود قد تشمل القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاختطاف والإخفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، والترحيل والتسليم القسري، وحظر السفر، والحرمان من الجنسية، وإساءة استخدام آليات إنفاذ القانون الدولية، بما فيها النشرات الحمراء للإنتربول، فضلاً عن تخويف أفراد الأسرة والزملاء واستهدافهم.
كما يلفت البيان إلى الطبيعة الرقمية المتزايدة للقمع العابر للحدود، بما يشمل استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وبرمجيات التجسس والبرمجيات الخبيثة، والمراقبة والاختراق وحملات التشهير والمضايقات الرقمية، محذراً من إمكانية تضخيم هذه الانتهاكات من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي.
تطور متسارع داخل منظومة الأمم المتحدة
يأتي البيان ضمن مسار متسارع لتطوير استجابة أممية أكثر شمولاً للقمع العابر للحدود. وشمل هذا المسار إصدار مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أول موجز مخصص للظاهرة في يونيو/حزيران 2025، وتزايد تناولها في قرارات وتقارير مجلس حقوق الإنسان.
ويبرز ضمن هذا المسار التقرير الصادر عن الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بشأن «الاحتجاز التعسفي والقمع العابر للحدود»، بالرمز A/HRC/63/33، والذي قُدم إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان ونوقش أمام المجلس في 15 سبتمبر/أيلول 2026.
ويشكل هذا التقرير تطوراً مهماً لأنه يتناول بصورة مباشرة العلاقة بين القمع العابر للحدود والحرمان التعسفي من الحرية. ويوضح كيف يمكن للدول أن تستخدم طلبات التسليم والتعاون الجنائي والشرطي الدولي، والملاحقات والأحكام الغيابية، وإجراءات الهجرة والترحيل، والحرمان من الجنسية، وتجريم الأنشطة السلمية في الخارج، للوصول إلى المعارضين والمدافعين واحتجازهم خارج حدودها.
وشدد الفريق العامل على ضرورة خضوع أي تعاون جنائي بين الدول لرقابة قضائية حقيقية، وجلسات علنية، وضمانات إجرائية كاملة. كما أكد أن المحاكمات الغيابية التي لا تتيح إعادة المحاكمة حضورياً، والحرمان من الجنسية أثناء وجود الشخص في الخارج، وتجريم الأنشطة السلمية التي تمارس خارج إقليم الدولة، لا يمكن أن تشكل أساساً قانونياً مشروعاً للحرمان من الحرية.
وتكتسب هذه التوصيات أهمية خاصة في السياق المصري، حيث وثق المنبر استخدام الملاحقات والأحكام الغيابية، وطلبات التسليم والتعاون الأمني الإقليمي، وقوائم الإرهاب، والحرمان من الوثائق القنصلية، في استهداف معارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان خارج البلاد.
كما تزامنت هذه التطورات مع تزايد الاهتمام بأعمال الانتقام التي تستهدف الأشخاص والمنظمات المتعاونة مع الأمم المتحدة. وقد وثق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الترهيب والانتقام حالات مرتبطة بـ32 دولة، من بينها 13 دولة ورد اسمها فيما يتصل بأعمال قمع عابر للحدود أثرت على ما لا يقل عن 43 شخصاً وأربع منظمات.
وتؤكد هذه الخطوات، إلى جانب الحوار المخصص داخل مجلس حقوق الإنسان بشأن القمع العابر للحدود والاحتجاز التعسفي، أن الظاهرة لم تعد قضية هامشية، بل أصبحت تحدياً مباشراً لنزاهة منظومة الأمم المتحدة وقدرتها على الاستماع إلى الضحايا والمجتمع المدني من دون تعريضهم أو عائلاتهم للمراقبة أو الترهيب أو الانتقام.
تقرير المنبر لعام 2024: توثيق مبكر للظاهرة في السياق المصري
تكتسب هذه التطورات الأممية أهمية خاصة بالنسبة إلى المنبر المصري لحقوق الإنسان، الذي كان من بين المنظمات المبادرة إلى توثيق الظاهرة في السياق المصري.
ففي سبتمبر/أيلول 2024، أصدر المنبر، بالشراكة مع الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، تقريراً مشتركاً حول استهداف المدافعين المصريين عن حقوق الإنسان في الشتات. ووثق التقرير استخدام السلطات المصرية مجموعة واسعة من الأدوات لملاحقة المدافعين والمعارضين خارج البلاد.
وشملت الأنماط التي وثقها التقرير الحرمان من جوازات السفر والخدمات القنصلية والوثائق المدنية، والتهديدات والمراقبة الرقمية، والملاحقات القضائية والأحكام الغيابية، وإساءة استخدام آليات التعاون الأمني والشرطي الدولي، والضغط على أفراد أسر المدافعين والمعارضين الموجودين داخل مصر.
وساهم التقرير، إلى جانب جهود التوثيق والمناصرة التي قامت بها منظمات حقوقية دولية وإقليمية، في الدفع نحو الاعتراف بالقمع العابر للحدود بوصفه نمطاً مستقلاً ومتكاملاً من الانتهاكات، وليس مجرد مجموعة من الوقائع المنفصلة.
ويؤكد التعريف الذي تبناه خبراء الأمم المتحدة كثيراً مما وثقه المنبر منذ عام 2024: أن القمع العابر للحدود لا يقتصر على الاعتداءات الجسدية أو عمليات الاختطاف والتسليم القسري، بل يشمل كل فعل تنفذه أو توجهه دولة أو أحد وكلائها بهدف ردع أو إسكات أو معاقبة المعارضة أو الانتقاد أو الدفاع عن حقوق الإنسان من خارج إقليمها.
ومنذ صدور تقريره الأول، واصل المنبر تطوير أعمال التوثيق والتحليل. وفي فبراير/شباط 2026، أطلق تقريره السنوي الثاني، «أينما ذهبوا: القمع العابر للحدود واستهداف المصريين في الخارج»، إلى جانب قاعدة بيانات متخصصة يجري تحديثها بصورة مستمرة.
وقد ارتفع عدد الحالات المسجلة في قاعدة بيانات المنبر إلى 119 حالة موثقة، استهدفت مصريين في ما لا يقل عن 17 دولة وموقعاً جغرافياً.
وتكشف قاعدة البيانات أن الحرمان من الوثائق القنصلية والمدنية، والانتقام من أفراد الأسرة، والملاحقات والأحكام الغيابية، والتشهير والتهديدات الرقمية، ومحاولات التسليم أو الإعادة القسرية، ليست إجراءات إدارية أو أمنية منفصلة. بل تشكل مكونات مترابطة في سياسة تهدف إلى إخضاع المصريين في المنفى، وتقييد حركتهم، وعزلهم عن عائلاتهم، وردعهم عن العمل العام والتعاون مع آليات حقوق الإنسان الدولية.
تطورات إيجابية تؤكد أهمية الضغط الحقوقي والدولي
تأتي هذه التطورات المؤسسية بالتزامن مع مؤشرات إيجابية تثبت أن صمود الضحايا واستمرار الضغط الحقوقي والدولي يمكن أن يسهما في تحقيق نتائج ملموسة.
ومن بين هذه التطورات الإفراج عن الشاعر والكاتب المصري–التركي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي عاد بالفعل إلى تركيا واجتمع بأسرته، بعد أكثر من عام ونصف من توقيفه في لبنان في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024، وتسليمه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في 8 يناير/كانون الثاني 2025، واحتجازه وإخفائه عن العالم الخارجي لفترات طويلة.
وكان المنبر، إلى جانب عشرات المنظمات الحقوقية، قد تابع قضية عبد الرحمن يوسف القرضاوي وطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه وضمان عودته الآمنة إلى تركيا. ولذلك يرحب المنبر بوصوله إلى تركيا ولمّ شمله بأسرته، باعتبار ذلك خطوة إيجابية ونتيجة طال انتظارها.
كما يرحب المنبر بـإفراج السلطات البلغارية عن المدافع السعودي عن حقوق الإنسان عبد الرحمن الخالدي في 21 أغسطس/آب 2026، بعد ما يقرب من خمس سنوات من الاحتجاز الإداري من دون صدور إدانة جنائية بحقه.
ويمثل الإفراج عن القرضاوي وعودته الآمنة إلى تركيا، والإفراج عن الخالدي، تطورين إيجابيين يؤكدان أهمية صمود الضحايا وعائلاتهم، والعمل القانوني، والمناصرة الحقوقية، والضغط الدولي المستمر.
ومع ذلك، يؤكد المنبر أن الإفراج عن الأفراد لا يمحو الانتهاكات التي تعرضوا لها، ولا يعفي الجهات المسؤولة من المساءلة. كما يتعين ضمان حماية عبد الرحمن الخالدي من الإعادة القسرية إلى السعودية، وتسوية وضعه القانوني بصورة عادلة ومستدامة، في ظل استمرار إجراءات الحماية الدولية الخاصة به.
وتوضح الحالتان أن مواجهة القمع العابر للحدود لا تتوقف عند إطلاق سراح الأفراد، بل تستلزم توفير سبل الانتصاف وجبر الضرر، وضمان عدم إعادتهم إلى الخطر، ومحاسبة الجهات المسؤولة، وإصلاح الأنظمة الوطنية والدولية التي سمحت باحتجازهم أو تسليمهم أو تهديدهم عبر الحدود.
مسؤولية مشتركة للدول والمنظمات الدولية والشركات
يؤكد المنبر أن مسؤولية التصدي للقمع العابر للحدود لا تقع على الدول المنتهِكة وحدها. فدول الإقامة تتحمل التزاماً بحماية الأشخاص الموجودين على أراضيها، والتحقيق في التهديدات والمراقبة والاعتداءات التي تستهدفهم، ومنع تسليمهم أو إعادتهم إلى دول قد يتعرضون فيها للاختفاء القسري أو التعذيب أو الاحتجاز التعسفي أو غير ذلك من الانتهاكات الجسيمة.
كما يتعين على الدول مراعاة سجل الدولة الطالبة في ممارسة القمع العابر للحدود عند تقييم طلبات التسليم والنشرات الحمراء والتعاميم الدولية والتعاون الأمني والضمانات الدبلوماسية.
وتتحمل شركات التكنولوجيا بدورها مسؤولية إجراء تقييمات جادة لمخاطر حقوق الإنسان، وحماية بيانات المستخدمين، ومنع استخدام خدماتها ومنصاتها في المراقبة غير القانونية، والاختراق، وانتحال الهوية، والتشهير، والتحريض، وكشف البيانات الشخصية، وحملات الإبلاغ المنسقة الهادفة إلى إسكات الأصوات الموجودة في المنفى.
وقال المنبر المصري لحقوق الإنسان:
«يشكل البيان المشترك وتقرير الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي نقطة تحول مهمة في الاعتراف الدولي والأمميبالقمع العابر للحدود بوصفه منظومة متكاملة من الانتهاكات، وليس مجرد وقائع متفرقة. كما أن تقديم تعريف أممي مشترك للظاهرة يوفر أساساً مهماً لتطوير التشريعات والسياسات وآليات الحماية والمساءلة. لكن قيمة هذا التطور ستظل محدودة ما لم تتحول توصيات الخبراء إلى إجراءات عملية قادرة على حماية المدافعين والصحفيين والمعارضين في المنفى وأفراد أسرهم، ومحاسبة الدول والجهات المتورطة في استهدافهم».
ويدعو المنبر المصري لحقوق الإنسان إلى:
- اعتماد التعريف الوارد في البيان المشترك لخبراء الأمم المتحدة وإدماجه في التشريعات والسياسات الوطنية وأطر الحماية، بما يضمن التعرف على مختلف صور القمع العابر للحدود والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.
- تنفيذ توصيات الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، وضمان خضوع جميع طلبات التسليم وأشكال التعاون الجنائي والشرطي الدولي لرقابة قضائية حقيقية، وجلسات علنية، وضمانات كاملة للإجراءات القانونية الواجبة.
- عدم الاعتداد بالأحكام الغيابية التي لا تضمن الحق في إعادة المحاكمة حضورياً، أو الحرمان التعسفي من الجنسية، أو تجريم الأنشطة السلمية في الخارج، كأساس للقبض أو الاحتجاز أو التسليم أو الترحيل.
- إنشاء نقاط اتصال وآليات تنسيق متخصصة داخل دول الإقامة لتلقي البلاغات بصورة آمنة، والتحقيق في الانتهاكات، وتحليل أنماطها، وحماية الأشخاص المعرضين للخطر.
- ضمان ألا يؤدي التعاون الأمني أو القضائي أو اتفاقيات الهجرة أو أطر مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة إلى تسهيل اضطهاد المدافعين والصحفيين والمعارضين خارج الحدود.
- إخضاع طلبات التسليم والنشرات الحمراء والتعاميم الصادرة عن الإنتربول لعمليات تدقيق إضافية عندما تصدر عن دول لها سجل موثق في استهداف المعارضين والمدافعين في الخارج.
- إنشاء قنوات آمنة ومتاحة للإبلاغ، وتوفير المساعدة القانونية والدعم النفسي وبرامج الحماية الفعالة للضحايا وعائلاتهم.
- توفير مسارات سريعة وفعالة للجوء وإعادة التوطين والتأشيرات الإنسانية للأشخاص المعرضين لخطر وشيك من القمع العابر للحدود.
- إلزام شركات التكنولوجيا بإجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، وحماية بيانات المستخدمين، ومنع استخدام منصاتها في المراقبة والتشهير والتحريض وحملات الإبلاغ المنسقة التي تستهدف إسكات الأصوات في المنفى.
- إدراج القمع العابر للحدود بصورة منهجية في مراجعات حقوق الإنسان والعلاقات الثنائية واتفاقيات الهجرة وبرامج التعاون الأمني والسياسي مع السلطات المصرية.
- مطالبة السلطات المصرية بوقف جميع أشكال استهداف المصريين في الخارج وأفراد أسرهم، وإنهاء الحرمان التعسفي من جوازات السفر والوثائق المدنية والخدمات القنصلية، ووقف الملاحقات والأحكام الغيابية والتدابير الانتقامية ذات الدوافع السياسية.
ويؤكد المنبر استمراره في توثيق حالات القمع العابر للحدود وتحديث قاعدة بياناته، والعمل مع آليات الأمم المتحدة والمؤسسات الأوروبية ودول الإقامة ومنظمات المجتمع المدني وشركات التكنولوجيا، من أجل تحويل الاعتراف الدولي المتزايد بالظاهرة إلى إجراءات ملموسة توفر الحماية للضحايا، وتحقق المساءلة، وتضمن عدم التكرار.






