يعرب المنبر المصري لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء التصاعد الملحوظ في استهداف السلطات المصرية لأسر الصحفيين والنشطاء والمعارضين المقيمين خارج البلاد، من خلال الاعتقال والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ومداهمة المنازل، والاستدعاء والتهديد، والمنع من السفر ومصادرة جوازات السفر، وصولًا إلى إدراج أفراد الأسر على ذمة قضايا أمنية وجنائية وإحالتهم إلى المحاكمة.
ويرى المنبر أن تكرار هذه الممارسات يكشف عن نمط متصاعد من «العقاب بالوكالة»، تستخدم فيه السلطات أفراد الأسرة الموجودين داخل مصر للضغط على شخص يمارس نشاطه السياسي أو الإعلامي أو الحقوقي من الخارج، ودفعه إلى الصمت أو التراجع عن نشاطه.
وتظهر الحالات التي تابعها المنبر أيضًا اتساع دائرة المستهدفين من الوالدين والأشقاء إلى أبناء العمومة والأجداد، وتصاعد الأدوات من الاستدعاء والتهديد والمنع من السفر إلى المداهمات الليلية والاحتجاز والاختفاء القسري والحبس الاحتياطي والإحالة إلى المحاكمة.
يمثل استهداف أسرة الناشط السياسي عمرو عبد الهادي نموذجًا ممتدًا لهذا النمط. فقد رُفض تجديد جواز سفره عامي 2016 و2019، بينما مُنعت والدته من السفر لملاقاته في تركيا عام 2018 وخضعت للتحقيق وصودر جوازها، قبل أن يتكرر منعها من السفر ومصادرة جوازها الجديد عام 2021.
وفي 16 أغسطس/آب 2026، اقتحمت قوة من الأمن الوطني منزل والدته نحو الساعة الثانية فجرًا، وعندما لم تجدها اقتحمت بالتزامن منزل شقيقه أحمد عبد الهادي واقتادته من بين أفراد أسرته. وظهر أحمد في اليوم التالي أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 6252 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، ووجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، وقررت النيابة حبسه 15 يومًا، رغم عدم ممارسته، وفق المعلومات المتاحة للمنبر، أي نشاط سياسي معارض. كما استُدعيت والدته واحتُجزت لنحو خمس ساعات، وأفادت بأن مسؤولين أمنيين طالبوها بنقل رسالة إلى ابنها لوقف نشاطه، مع التهديد بمزيد من الإجراءات ضد الأسرة. وهنا تصبح إيصال رسالة إلى الناشط في الخارج جزءًا معلنًا من الغرض من الضغط على أسرته.
ووثّق المنبر حالة الصحفي أبو بكر إبراهيم خلاف، المقيم خارج مصر منذ نحو ثلاثة عشر عامًا، والذي أفاد بأن قوات الأمن اعتقلت شقيقه من منزل الأسرة واحتجزته نحو شهر دون عرضه على أي جهة قضائية ودون الكشف عن مكانه، قبل أن يظهر على ذمة قضية باتهامات تتعلق بالإرهاب.وتركز استجوابه على نشاط أبي بكر في الخارج. وبعد أيام، تلقّى أبو بكر اتصالًا من هاتف شقيقه أجراه أحد مسؤولي الأمن — أي أن الهاتف المصادَر من المحتجَز داخل مصر صار قناة للوصول إليه في الخارج. وكان أبو بكر يسعى خلال الفترة الأخيرة إلى إيجاد سبيل للعودة وزيارة والدته.
وفي حالة صحفي بقناة الجزيرة فضل عدم نشر اسمه خشية تصاعد الاستهداف ضد أسرته، امتد استهداف أفراد عائلته لسنوات، عبر مداهمات واعتقالات متكررة لأشقائه وأقاربه، إلى جانب منع والدته من السفر. وبحسب إفادات الأسرة، ربط مسؤولون أمنيون في أكثر من مناسبة هذه الإجراءات مباشرة بنشاطه الإعلامي في الخارج، بما يثير مخاوف جدية من استمرار توسيع دائرة الاستهداف لتشمل أفرادًا آخرين من العائلة.
وتصاعدت هذه الإجراءات بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة. ففي منتصف يوليو/تموز 2026، أُعيد القبض على شقيقه الأكبر بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحه، وأُدرج على ذمة القضية رقم 5228 لسنة 2026 أمن دولة عليا. ثم أُدرج شقيقه الأصغر على ذمة القضية رقم 17050 لسنة 2026 جنح عين شمس، واحتُجز لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق. ويخشى الصحفي من استمرار انتقال الاستهداف بين أفراد أسرته، خاصة مع ورود معلومات عن احتجاز بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي وعدم تمكينهم من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم.
كما وثق المنبر حالة صحفي آخر بقناة الجزيرة فضل كذلك عدم نشر اسمه خشية الانتقام من أسرته. ففي أبريل/نيسان 2026، ألقت قوات الأمن القبض على شقيقين له، يبلغان 20 و19 عامًا وهما طالبان جامعيان، ما أدى إلى حرمانهما من أداء امتحاناتهما، ولا يزالان مختفيين قسريًا وفق المعلومات المتاحة للمنبر.
وامتد الاستهداف إلى والدته، التي تعرضت أثناء القبض عليها في عام 2024، ، لاعتداء أدى إلى إصابتها بكسر في أحد أضلاعها، بينما تركز التحقيق معها على نشاط ابنها الإعلامي وزيارتها له في الخارج. وتم التحقيق معها مجددا في أغسطس ٢٠٢٦، لمدة ٢٤ ساعة ثم تم إطلاق سراحها. وكان الصحفي قد تلقى أيضًا رسائل تهديد تضمنت معلومات وصورًا مرتبطة بمكان إقامته في الخارج، بالتوازي مع ضغوط مورست على الأسرة لنقل رسائل إليه.
كما وثق المنبر تصعيدًا مماثلًا في استهداف أسرة الناشطة والمهندسة المصرية-البريطانية منى الشاذلي، حيث أصبح خمسة من أفراد أسرتها بين الاعتقال والاختفاء القسري خلال الأشهر الأخيرة. ففي 18 أغسطس/آب 2026، اقتادت قوات الأمن شقيقتها شيماء الشاذلي، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى جهة غير معلومة بعد مداهمة منزل الأسرة، وذلك بعد يومين فقط من اعتقال شقيقتها إيمان الشاذلي في 16 أغسطس/آب. وسبق ذلك اعتقال شقيقيها عيد صابر الشاذلي وحسن صابر الشاذلي من منزلهما في 19 مايو/أيار 2026، قبل ظهورهما أمام النيابة بعد خمسة أيام وحبسهما احتياطيًا على ذمة القضية رقم 4489 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، فيما أفادت الأسرة باستمرار الاختفاء القسري لابن عمها صابر الشاذلي منذ التاريخ نفسه. وبحسب إفادات الأسرة، رافقت المداهمات اعتداءات على والدتها البالغة 65 عامًا وتفتيش وتخريب المنزل.
في يوليو/تموز 2026، أُحيل السيد صبحي أحمد عيد، والد الباحث ومقدم بودكاست «عنبر كله يسمع» سيف الإسلام عيد، إلى المحاكمة على ذمة القضية رقم 6468 لسنة 2025، بعد أشهر من الحبس الاحتياطي، في نموذج واضح لاستخدام الأسرة كوسيلة للضغط على النشطاء والإعلاميين في الخارج.
وكان السيد عيد قد احتُجز سابقًا في 30 أبريل/نيسان 2025 لمدة 18 يومًا، خضع خلالها لاستجوابات تركزت حول نشاط ابنه الإعلامي، قبل إطلاق سراحه دون اتهامات. وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعادت قوات الأمن اعتقاله من منزله في المندرة بالإسكندرية، بالتزامن مع مداهمة منزل الأسرة في كفر الدوار ومنزل والد زوجته، واستجواب أقارب بشأن نشاط سيف الإسلام. وبعد فترة من الاختفاء القسري، ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسه احتياطيًا قبل إحالته لاحقًا للمحاكمة.
ويرتبط الاستهداف بصورة خاصة بعمل سيف الإسلام الإعلامي من الخارج، ولا سيما بودكاست «عنبر كله يسمع» الذي يوثق شهادات معتقلين سابقين حول أوضاع السجون المصرية. وكانت إحدى حلقات البودكاست المنشورة قبل اعتقال والده قد تناولت شهادات حول التعذيب داخل سجن العزولي، فيما اعتبر سيف الإسلام ما جرى انتقامًا مباشرًا من نشاطه الإعلامي. ويكشف تسلسل الوقائع، من استجواب الأب بشأن نشاط ابنه إلى إعادة اعتقاله وملاحقته قضائيًا، عن استخدام الإجراءات الجنائية ضد أفراد الأسرة كأداة ممتدة للضغط على النشطاء المقيمين خارج البلاد.
ويلفت المنبر إلى أن توجيه اتهامات مثل الانضمام إلى جماعة إرهابية أو تمويلها، وإدراج أفراد الأسر في قضايا أمنية أو جنائية، يمنح هذه الممارسات مظهرًا لإجراءات داخلية منفصلة. لكن عندما يأتي القبض عقب نشاط سياسي أو إعلامي في الخارج، أو يتركز التحقيق على هذا النشاط، أو يطلب مسؤولون أمنيون من الأسرة صراحة الضغط على قريبها، يصبح الفصل بين الإجراء الداخلي والقمع العابر للحدود مصطنعًا.
وتؤكد قاعدة بيانات المنبر المصري لحقوق الإنسان لرصد وتوثيق القمع العابر للحدود أن العقاب بالوكالة ليس ممارسة استثنائية، بل أحد أكثر الأنماط شيوعًا في الحالة المصرية. وتشير بيانات المنبر إلى أن نحو 72% من الحالات الموثقة تضمنت شكلًا من أشكال الانتقام أو الضغط على أفراد الأسرة، بما يكشف عن اعتماد واسع على الروابط العائلية للوصول إلى أشخاص يصعب استهدافهم مباشرة خارج البلاد.
ويرى المنبر أن هذا النمط يقوم على نقل كلفة المعارضة من الشخص الموجود في الخارج إلى أقرب الناس إليه في الداخل، بما يقوض مبدأ المسؤولية الفردية ويثير مخاوف خطيرة بشأن الاعتقال والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة، فضلًا عن الانتقام من أشخاص بسبب ممارسة قريب لهم لحرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي أو الحقوقي.
ويشير المنبر في هذا الصدد إلى أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أوردت في الفقرة 16 من تعليقها العام رقم 35 (2014) بشأن المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (CCPR/C/GC/35)، ضمن الأمثلة الصارخة على الاحتجاز التعسفي، احتجاز أفراد أسرة شخص يُشتبه في ارتكابه جريمة دون أن يكونوا هم أنفسهم متهمين بأي فعل، فضلًا عن أخذ الرهائن. وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في سياق الحالات التي يوثقها المنبر عندما لا يستند استهداف أفراد الأسرة إلى سلوك شخصي مستقل، وإنما يرتبط بنشاط قريب لهم في الخارج. كما تؤكد الفقرة 17 أن الاعتقال أو الاحتجاز عقابًا على الممارسة المشروعة للحقوق التي يكفلها العهد، ومنها حرية الرأي والتعبير بموجب المادة 19، يُعد تعسفيًا، وأن الاختفاء القسري يشكل صورة مشددة بوجه خاص من صور الاحتجاز التعسفي. وتقرر الفقرة 65 كذلك أن حظر أخذ الرهائن والاختطاف والاحتجاز غير المعترف به لا يجوز الانتقاص منه حتى في حالات الطوارئ
كما يحذر المنبر من وجود فجوة واضحة في الاستجابة الدولية للقمع العابر للحدود. فأدوات الحماية الحالية تركز غالبًا على الشخص المستهدف في دولة إقامته، بينما تصبح محدودة الفاعلية عندما يكون مصدر الضغط الحقيقي عليه هو اعتقال والده أو شقيقه أو تهديد والدته داخل مصر. وإذا اضطر صحفي مقيم في أوروبا إلى وقف عمله خوفًا من اعتقال شقيقه، فقد تحقق الأثر الترهيبي للقمع داخل أوروبا حتى وإن وقع الاعتقال نفسه في مصر.
ويطالب المنبر المصري لحقوق الإنسان السلطات المصرية بالإفراج الفوري عن أفراد أسر الصحفيين والنشطاء والمدافعين المحتجزين بسبب نشاط أقاربهم، والكشف عن أماكن جميع المحتجزين بمعزل عن العالم الخارجي، وضمان وصولهم إلى أسرهم ومحاميهم، ووقف استخدام الحبس الاحتياطي والقضايا الجنائية والأمنية كوسائل للضغط والانتقام، وإنهاء القيود التعسفية على السفر وجوازات السفر، والتحقيق في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، وإنهاء ممارسة العقاب بالوكالة.
كما يدعو الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء وآليات الأمم المتحدة ودول إقامة الصحفيين والنشطاء المصريين إلى إدراج استهداف الأسر صراحة ضمن أدوات رصد ومواجهة القمع العابر للحدود، وإثارة الحالات الجارية مع السلطات المصرية، وتطوير استجابات للحماية لا تتوقف عند الشخص الموجود في المنفى، بل تأخذ في الاعتبار أيضًا المخاطر التي تتعرض لها أسرته داخل مصر.







