باريس، 5 نوفمبر 2026. يكفل الدستور المصري حرية التعبير وحرية الصحافة والحق في المعلومات وسرية المراسلات، لكن عقدًا من التشريعات قلب هذا الترتيب بهدوء، بحسب تقرير «برمجة الصمت: كيف تُقيّد القوانين الحقوق الرقمية في مصر؟»، الذي يصدره المنبر المصري لحقوق الإنسان اليوم بالعربية والإنجليزية.
يحلل التقرير أبرز القوانين المنظمة للفضاء الرقمي الصادرة منذ عام 2003، ويخلص إلى أن القيود المفروضة على الحياة الرقمية ليست انتهاكات عارضة، بل مكتوبة في نصوص القانون نفسها، عبر معايير فضفاضة مثل «الأمن القومي» و«قيم الأسرة» تتيح حجب أي محتوى تقريبًا أو إخضاعه للترخيص أو الملاحقة.
أبرز النتائج
- حجب دون قرار. بدأ حجب المواقع على نطاق واسع في 24 مايو 2017 دون إعلان أي قرار أو أساس قانوني. ويجري الحجب اليوم عبر مسارات قانونية جنائية وتنظيمية وبنيوية، منها مسار عاجل وفق المادة 7 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يحجب أولًا ثم يراجع لاحقًا.
- ترخيص لمجرد الوجود. تدفع المواقع الإخبارية 50 ألف جنيه للحصول على ترخيص مدته خمس سنوات، ويجوز للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقف أو حجب الحسابات الشخصية التي يتجاوز متابعوها 5000.
- مراقبة الجميع. يُلزَم مقدمو الخدمة بالاحتفاظ ببيانات التعريف وحركة الاتصالات لكل مستخدم لمدة 180 يومًا دون أي اشتباه، بينما يستثني قانون حماية البيانات الشخصية الجهات الأمنية.
- الحماية موضع شبهة. يحتاج استخدام التشفير إلى موافقة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي، وتُعاقب حيازة طائرة مسيّرة دون تصريح بالحبس من سنة إلى سبع سنوات.
الأدوات قيد الاستخدام
نتائج التقرير تتجلى الآن. ففي 27 أكتوبر 2026 غرّمت محكمة في القاهرة رئيسة تحرير «مدى مصر» 3 ملايين جنيه، وهي العقوبة القصوى، وأمرت بغلق الموقع المستقل بتهمة العمل دون ترخيص سبق أن تقدم بطلبه في 2018 و 2020. ومنذ أواخر سبتمبر يُحتجز صحفيو منصة «متصدقش» لتدقيق المعلومات الستة احتياطيًا باتهامات منها
الانضمام إلى جماعة إرهابية، وهي اتهامات ترفضها المنصة.
قالت يسرا الجندي الأمين العام للمنبر المصري لحقوق الإنسان: «لا تحتاج الدولة إلى إلغاء حرية التعبير كي تسكتها، يكفيها قانون فضفاض بما يكفي ليجعل كل منشور وكل موقع وكل رسالة مشفرة جريمة محتملة. الأمن الحقيقي في الفضاء الرقمي يأتي من قواعد واضحة يمكن توقعها، لا من توسيع سلطة الدولة في التدخل».
ما الذي يجب أن يتغير
يقدّم التقرير تسع توصيات إلى السلطات المصرية:
- إصلاح تشريعي يعيد تعريف الاستثناء ويضيّق المعايير. ربط كل نص يسمح بالحجب أو الوقف أو التعطيل بمعايير محددة، مع تعريف دقيق لمصطلحات مثل «الأمن القومي» و«الخطر الحال» و«قيم الأسرة»، وضمان ألا يُنتج أي قرار إداري أثرًا جسيمًا على الحقوق دون أساس قانوني واضح ورقابة قضائية سريعة.
- ضمانات إجرائية واضحة في الحجب وتقييد المحتوى. الإخطار والتسبيب المكتوب والحق في الطعن الفوري أمام قاضٍ مستقل خلال مهل قصيرة، ووقف تنفيذ الحجب عند الطعن إذا ترتب عليه ضرر جسيم، ونشر بيانات دورية عن عدد أوامر الحجب ونطاقها وأساسها القانوني.
- إنهاء تحويل الترخيص إلى شرط وجود. استبدال الترخيص المسبق المكلف للمواقع الإخبارية بنظام إخطار بسيط ورسوم متناسبة، واعتبار عدم الرد على الطلب خلال مدة محددة موافقة، أو على الأقل إلزام الجهة الإدارية بقرار مسبب قابل للطعن السريع.
- تقليص الاحتفاظ الإلزامي بالبيانات وضبط النفاذ إليها. تقليص مدد الاحتفاظ ونطاقه، وربط أي نفاذ إلى البيانات بأمر قضائي مسبب يراعي الضرورة والتناسب، وتوثيق كل طلب لمراجعة مستقلة لاحقة، وفرض قواعد صارمة لأمن المعلومات على الجهات الحائزة للبيانات.
- تقوية حماية البيانات الشخصية واستقلال جهة الإنفاذ. تضييق الاستثناءات الواسعة لصالح الجهات الأمنية، ووضع معايير موضوعية لطلباتها، وضمان استقلال جهة الإنفاذ، وكفالة حقوق الأفراد في النفاذ والتصحيح والمحو والاعتراض عبر آليات عملية وسريعة.
- تقليل الاعتماد على التجريم الجنائي في ضبط التعبير الرقمي. مراجعة جرائم «الأخبار الكاذبة» بصيغها الفضفاضة، وتقليل اللجوء إلى الحبس في قضايا النشر والتعبير، وتطوير بدائل مدنية متوازنة في السب والقذف.
- حماية التشفير وإخفاء الهوية بوصفهما أدوات أمان لا شبهة. التعامل مع التشفير بوصفه وسيلة مشروعة لحماية الاتصالات والخصوصية والعمل الصحفي والحقوقي، لا قدرة مشروطة بإذن مسبق، وحصر التجريم في أفعال ضارة محددة لا في أدوات الحماية ذاتها.
- تنظيم التقنيات مزدوجة الاستخدام بمنطق المخاطر لا الحظر الشامل. استبدال الحظر الشامل لمعدات الاتصالات والطائرات المسيّرة بتنظيم يميّز بين مستويات الخطر وبين الاستخدامات المدنية والبحثية، ونشر قوائم ومعايير واضحة، والتدرج في العقوبات بحيث يكون الحبس الملاذ الأخير، وضمان حق الطعن على قرارات الرفض.
- ضمانات الحقوق الرقمية في قانون الإجراءات الجنائية قبل بدء نفاذه في أكتوبر 2027. اعتماد قواعد تنفيذية تحصر المراقبة الرقمية والتتبع الإلكتروني في الحد الأدنى الضروري ولمدة محددة وتحت إشراف قضائي حقيقي، وتضمن السرية وحق الدفاع وسلامة التسجيل في التحقيق والمحاكمة عن بُعد.
كما يدعو المنبر الاتحاد الأوروبي إلى تقييم القوانين الرقمية المصرية في ضوء الشرط المسبق المتعلق بحقوق الإنسان في مساعدته المالية الكلية البالغة 4 مليارات يورو، قبل صرف الشريحة الأخيرة.
اقرأ التقرير كاملًا: [ARABIC REPORT LINK] (بالعربية) ·
عن المنبر المصري لحقوق الإنسان
المنبر المصري لحقوق الإنسان منظمة حقوقية مصرية مستقلة تأسست في مارس 2018، تعمل على تعزيز تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان في مصر، والدفاع عن مقاربة قائمة على حقوق الإنسان للديمقراطية وسيادة القانون، والجمع بين الفاعلين السياسيين والمدنيين والحقوقيين داخل مصر وفي المهجر حول مقترحات إصلاحية مشتركة.
للتواصل الإعلامي”: الفريق الإعلامي [email protected] . المقابلات متاحة بالعربية والإنجليزية.






