تعرب المنظمات الموقعة أدناه عن رفضها لأي توجه يجعل تقديم صورة الوجه أو بصمة الإصبع أو غيرها من البيانات البيومترية شرطًا لتسجيل خطوط الهاتف المحمول أو إدارتها أو استعادتها، أو لاستخدام خدمة “أرقامي”، أو للاعتراض على تسجيل خطوط باسم أشخاص دون علمهم. وتطالب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالتراجع عن أي توجيهات من شأنها فرض هذا النوع من التحقق على مستخدمي خدمات الاتصالات.
يأتي هذا التوجه بعد تلقي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات شكاوى من أشخاص اكتشفوا تسجيل خطوط هاتف محمول، وفي بعض الحالات محافظ مالية مرتبطة بها، باستخدام بياناتهم الشخصية دون علمهم. وفي 10 أغسطس 2026، أعلن الجهاز إحالة شركات الاتصالات الأربع العاملة في مصر إلى النيابة العامة بعد إجراءات فحص وتحقيق بشأن هذه الوقائع، كما وجّه الشركات إلى الإسراع في إتاحة آليات للتحقق من هوية أصحاب الخطوط باستخدام القياسات الحيوية عبر تطبيقاتها الإلكترونية.
حتى الآن، لم ينشر الجهاز عدد حالات التسجيل غير المصرح بها التي أثبتتها تحقيقاته، ولم يوضح المرحلة التي وقع فيها الخلل أو الآلية التي أتاحت استخدام بيانات أشخاص لتسجيل خطوط دون علمهم. كما لم يعلن ما إذا كانت الوقائع ترتبط أساسًا بانتحال الهوية باستخدام بطاقة رقم قومي تخص شخصًا آخر عند نقطة البيع، أم بإساءة استخدام صلاحيات الموظفين أو الوكلاء، أو بالتلاعب بأجهزة التفعيل والحسابات أو السجلات الداخلية لشركات الاتصالات.
ومن دون تحديد موضع الخلل وسببه، لا توجد قاعدة يمكن الاستناد إليها للقول إن التحقق البيومتري يعالج المشكلة. يمكن للمطابقة البيومترية أن تساعد في التحقق من أن الشخص الذي يجري معاملة معينة يطابق هوية مرجعية. لكنها لا تمنع، بذاتها، إساءة استخدام صلاحيات العاملين أو الوكلاء، ولا تحول دون إضافة خطوط أو تعديل سجلات داخل أنظمة الشركات بصورة غير مشروعة، ولا تمنع إعادة استخدام بيانات سبق التحقق منها.
وفرض معالجة بيانات أشد حساسية على ملايين المستخدمين قبل تحديد مصدر المشكلة ينقل الأزمة من معالجة أوجه القصور في منظومة التسجيل إلى جمع مزيد من البيانات عن الأفراد، بل وبيانات أكثر حساسية.
ويثير هذا التوجه قلقًا إضافيًا لأن الشركات التي ستتولى جمع البيانات البيومترية أو معالجتها أو التعامل معها هي الشركات نفسها التي وقعت داخل منظومة البيع والتسجيل والتفعيل التابعة لها حالات التسجيل غير المصرح به، والتي أحالها الجهاز إلى النيابة العامة على خلفية تلك الوقائع. ولم ينشر الجهاز حتى الآن تقييمًا لقدرة هذه الشركات، أو مقدمي الخدمات والتقنيات الذين قد يعملون لصالحها، على حماية البيانات البيومترية، أو توزيع المسؤوليات القانونية فيما بينهم، أو الإجراءات التي ستطبق في حال تسرب البيانات أو الوصول إليها دون تصريح أو استخدامها في أغراض أخرى غير التي جمعت من أجلها.
وتختلف البيانات البيومترية بطبيعتها عن كثير من وسائل التحقق الأخرى. يمكن تغيير كلمة المرور أو إلغاء وثيقة أو استبدالها، بينما لا يستطيع الإنسان تغيير وجهه أو بصماته إذا تعرضت البيانات المرتبطة بها للتسريب أو إساءة الاستخدام. كما أن الخطر لا يقتصر على الاحتفاظ بالصورة الأصلية للوجه أو البصمة، إذ يمكن تحويل هذه البيانات إلى قوالب رقمية تظل مرتبطة بهوية الشخص وقابلة للربط ببيانات أخرى.
إن الجمع بين معرفات بيومترية دائمة وبين بيانات الاشتراك في خدمات الاتصالات يمكن أن ينشئ بنية تقنية تسمح بربط مجموعات متعددة من البيانات عن الشخص نفسه. وبالتالي فإن وجود هذه البنية يعني أنه يُمكن استخدامها مستقبلّا في المراقبة أو التنميط، ويزيد إمكانية إعادة استخدام البيانات لأغراض لم تُجمع من أجلها إذا لم تفرض قيود قانونية وتقنية وتنظيمية واضحة على الوصول والربط والاحتفاظ والمشاركة.
ويثير ربط البيانات البيومترية بخدمات الاتصالات إشكاليات حقوقية مباشرة. فالشخص الذي استخدمت بياناته من دون علمه لتسجيل خط هاتف قد يصبح مطالبًا بتقديم بيانات أكثر حساسية حتى يعرف الخطوط المسجلة باسمه أو يعترض على التسجيل غير الصحيح. وبهذا يتحمل صاحب البيانات عبئًا إضافيًا نتيجة خلل وقع داخل منظومة تديرها شركة الاتصالات، ويشرف عليها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بدلًا من إلزام الشركة بإثبات سلامة التسجيل وتصحيح بيانات الشخص المتضرر.
وقد يمتد أثر الإلزام بالتحقق البيومتري إلى ما يتجاوز الحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية. أصبح رقم الهاتف والاتصال بشبكات المحمول جزءًا عمليًا من الوصول إلى طيف واسع من الخدمات الحكومية والمصرفية وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية. ومن شأن ربط الوصول إلى هذه الخدمات بعملية تحقق يمكن أن تفشل أو تتعذر على بعض الأشخاص أن يفاقم أشكالًا قائمة من الإقصاء الرقمي، خصوصًا بالنسبة إلى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة ومن لا يمتلكون هواتف ذكية مناسبة أو اتصالًا مستقرًا بالإنترنت.
ويصنف قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 القياسات الحيوية ضمن البيانات الشخصية الحساسة، بما يرتب متطلبات مشددة على معالجتها وحمايتها. كما يحمي الدستور المصري في المادة 57 حرمة الاتصالات وخصوصيتها. وتقتضي المعايير الحقوقية المنظمة للتدخل في الخصوصية أن يستند أي إجراء إلى أساس قانوني واضح، وأن يحقق غرضًا مشروعًا ومحددًا، وأن تثبت ضرورته وتناسبه، وألا يتجاوز حجم البيانات المعالجة ما يلزم لتحقيق هذا الغرض.
ولا تتوافر في المعلومات التي أعلنتها السلطات حتى الآن العناصر اللازمة لإثبات هذه الشروط. فالسلطات لم تنشر تشخيصًا للخلل يثبت أن انتحال الهوية عند نقطة التسجيل هو السبب الرئيسي وراء الوقائع المكتشفة، ولم تقدم تقييمًا يقارن بين التحقق البيومتري وبين وسائل أقل تدخلًا يمكنها معالجة أوجه الضعف داخل منظومة التسجيل نفسها.
وتدعو المنظمات الموقعة إلى مواجهة حالات التسجيل غير المصرح به بإجراءات تستهدف أوجه الخلل داخل شركات الاتصالات، بدلًا من تحميل جميع المستخدمين مخاطر إضافية على خصوصيتهم وبياناتهم الشخصية. كما تطالب السلطات المصرية والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات باتخاذ الإجراءات الآتية:
- سحب أي توجيه يجعل تقديم صورة الوجه أو بصمة الإصبع أو أي معرّف بيومتري، أو الخضوع لمطابقة بيومترية، شرطًا لتسجيل خط هاتف محمول أو تجديد التعاقد عليه أو إعادة التعاقد أو استعادته، أو استخدام خدمة «أرقامي»، أو الاعتراض على خط مسجل باسم شخص دون علمه.
- عدم السماح بجمع البيانات البيومترية أو معالجتها أو الاحتفاظ بها لهذه الأغراض من جانب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أو شركات الاتصالات أو مقدمي الخدمات العاملين لصالحها، ما لم يوجد أساس قانوني محدد يجيز هذه المعالجة، وتثبت بصورة علنية وقابلة للتقييم ضرورتها وتناسبها وعدم وجود بديل أقل تدخلًا يحقق الغرض نفسه.
- ضمان إتاحة إجراءات غير بيومترية فعالة ومتكافئة لجميع المستخدمين، تشمل إمكانية التحقق الحضوري باستخدام أصل مستند الهوية، مع توفير الترتيبات والمساعدة المناسبة لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص الذين يواجهون عوائق في الوصول الرقمي.
- نشر نتائج التحقيق في حالات التسجيل غير المصرح به في صورة مجمعة تحمي البيانات الشخصية للمتضررين، مع توضيح عدد الحالات المثبتة، ومراحل وقوع الخلل، وأدوار منافذ البيع والموظفين والوكلاء وحسابات وأجهزة التفعيل المستخدمة، والإجراءات الرقابية التي اتُّخذت لمنع تكرار هذه الوقائع.
- إلزام شركات الاتصالات بإنشاء سجلات تدقيق محمية من التعديل أو الحذف لكل عملية تسجيل أو نقل ملكية أو استبدال خط، بحيث تسمح بتتبع كل معاملة وربطها بنقطة البيع وحساب الموظف أو الوكيل وجهاز التفعيل المستخدم وتوقيت تنفيذها وأي تعديل لاحق عليها.
- مراجعة صلاحيات الوصول داخل أنظمة شركات الاتصالات وقصرها على ما تقتضيه المهام الوظيفية، مع تسجيل عمليات الوصول والتعديل بما يسمح بتحديد المسؤولية عن أي استخدام غير مشروع لبيانات المشتركين أو سجلات الخطوط.
- إنشاء آليات لرصد أنماط التسجيل غير المعتادة، بما يسمح باكتشاف العمليات التي قد تشير إلى إساءة استخدام حسابات الموظفين أو الوكلاء أو أجهزة التفعيل، والتحقق منها قبل أن تتحول إلى تسجيلات غير مصرح بها.
- إخطار الشخص فور استخدام بياناته في تسجيل خط جديد أو نقل ملكيته أو استبداله، وتوفير وسيلة مباشرة وسريعة لوقف المعاملة أو الاعتراض عليها إذا لم يكن قد أجراها أو يوافق عليها.
- توفير آلية مجانية وسريعة وموثقة للاعتراض على الخطوط المسجلة دون علم أصحاب البيانات، وإلزام شركات الاتصالات بتحمل المسؤولية عن المعاملات التي تجري عبر فروعها ووكلائها المعتمدين، وتصحيح السجلات غير الدقيقة، وإتاحة سبل انتصاف فعالة للمتضررين، بما في ذلك التعويض عند ثبوت الضرر.
- نشر البنية القانونية والتقنية الكاملة لأي نظام تحقق بيومتري تعتزم السلطات اعتماده قبل تشغيله، بما يشمل نوع البيانات التي ستُعالج، ومصدر البيانات المرجعية المستخدمة في المطابقة، ومكان إجراء المعالجة والتخزين، والجهات التي يمكنها الوصول إلى البيانات، ومدد الاحتفاظ بها، وإجراءات الحذف، وضوابط المشاركة والربط، وآليات المراجعة البشرية والتظلم والطعن في حالات فشل المطابقة.
إن حماية الأشخاص من تسجيل خطوط باسمهم دون علمهم تقتضي إصلاح منظومة التسجيل ومساءلة الجهات التي تديرها، وليس مطالبة المستخدمين بتسليم فئة جديدة من البيانات الدائمة والحساسة لمعالجة أخطاء لم تُحدد أسبابها بعد. وينبغي أن تتحمل شركات الاتصالات والجهات المنظمة مسؤولية سلامة أنظمتها وإثبات صحة المعاملات التي تجري عبرها، بدلًا من نقل عبء الخلل المؤسسي إلى أصحاب البيانات أنفسهم.
المنظمات الموقعة:
- أكسس ناو
- أنسم للحقوق الرقمية
- إيجيبت وايد لحقوق الإنسان
- الأصوات العالمية
- الجبهة المصرية لحقوق الإنسان
- المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)
- المركز الإقليمي للحقوق والحريات
- المفوضية المصرية للحقوق والحريات
- المنبر المصري لحقوق الإنسان
- ديجيتال أكشن
- سمكس
- سيناء لحقوق الإنسان
- شبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية
- مؤسسة دعم القانون والديمقراطية
- مؤسسة مسار
- مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب
- مشروع التنظيم والتنمية والتعليم والبحث (PODER)
- مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
- منصة اللاجئين في مصر







