يدين المنبر المصري لحقوق الإنسان القرار الرسمي الصادر عن النيابة العامة المصرية بتاريخ 21 مايو 2026، والذي يقضي بحجب حسابات تواصل اجتماعي تعود لـ12 شخصاً، من بينهم صحفيون بارزون ومعارضون سياسيون المنفى، عبر منصات فيسبوك وإنستغرام وإكس (تويتر) وتيك توك وتيليغرام. ويُمثّل هذا القرار شكلاً من أشكال القمع الرقمي العابر للحدود، من خلال توظيف الآليات القانونية للدولة والبنية التحتية للمنصات الرقمية لإسكات أصوات لم تعد السلطات المصرية قادرة على الوصول إليها داخل حدودها.
وقد أصدرت النيابة العامة المصرية قراراً رسمياً يُلزم الجهات التقنية والأمنية المختصة بالشروع في إجراءات حجب حسابات 12 شخصاً على مختلف منصات التواصل الاجتماعي داخل الأراضي المصرية. ويتم تنفيذ القرار عبر مسارين متوازيين:
المسار الأول — البنية التحتية للاتصالات:وجّهت النيابة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى تنفيذ الحجب عبر مزودي خدمات الإنترنت في مصر، بما يجعل الحسابات المستهدفة غير قابلة للوصول من داخل البلاد على مستوى البنية التحتية للشبكة، بغض النظر عن تعاون المنصات نفسها.
المسار الثاني — المطالبات المباشرة للمنصات: بالتوازي، أُرسلت طلبات قانونية رسمية مباشرة إلى شركات ميتا وإكس وتيك توك وتيليغرام، استناداً إلى أطر التعاون الدولي في إنفاذ القانون واتفاقيات الحجب الجغرافي للمحتوى المصنّف باعتباره “محرّضاً على العنف”، في محاولة لدفع هذه المنصات إلى الامتثال المباشر للقرار.
وتشمل قائمة المستهدفين عدداً من أبرز المعارضين والصحفيين المصريين في المنفى، من بينهم الممثل والناقد السياسي عمرو واكد، والصحفي المعارض عبدالله الشريف، والإعلامي محمد ناصر، والصحفي أسامة جاويش، والصحفي المعارض هيثم أبو خليل، والإعلامي سامي كمال الدين، إضافة إلى الصحفيين المعارضين على يوتيوب خالد السيرتي وشريف عثمان وهشام صبري، واخرون وجميعهم من الأصوات التي واصلت انتقاد السلطات المصرية من خارج البلاد بعد تضييق المجال العام واستحالة ممارسة حرية التعبير داخل مصر.
غالبية هؤلاء المستهدفين هم صحفيون ومعارضون سياسيون يعيشون خارج مصر بعدما تعذّر عليهم ممارسة حقهم في حرية التعبير داخلها. ويحمل بعضهم أحكاماً غيابية صدرت في محاكمات وثّقت منظمات حقوقية طابعها السياسي. أما الاتهامات الموجّهة إليهم، مثل “التحريض على الكراهية”، و”نشر أخبار كاذبة تهدّد الأمن القومي”، و”تشويه مؤسسات الدولة”، فهي الصياغات نفسها التي استخدمتها السلطات المصرية لسنوات لتجريم العمل الصحفي والنقد السياسي السلمي.
كما يأتي هذا القرار ضمن حملة أوسع يقودها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتشديد الرقابة على المحتوى الرقمي، وهي حملة أسفرت بالتزامن عن حجب حسابات إضافية وإحالة صناع محتوى آخرين إلى التحقيق بتهم تتعلق بـ”انتهاك القيم المجتمعية”.
إن السلطات المصرية غير قادرة على ملاحقة الصحفيين والمعارضين الذين باتوا خارج نطاق سيطرتها الجغرافية، ولذلك تلجأ إلى بديل آخر: تحويل البنية التحتية للمنصات العالمية إلى امتداد عابر للحدود للرقابة الحكومية. فبينما يضمن مسار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومزودي الإنترنت حرمان الجمهور داخل مصر من الوصول إلى هذه الحسابات، تسعى الطلبات القانونية الموجّهة إلى ميتا وإكس وتيك توك وتيليغرام إلى تحويل تلك المنصات إلى أدوات فاعلة في عملية الإسكات السياسي.
والأخطر من ذلك أن السلطات المصرية تسعى إلى تقديم هذه المطالبات باعتبارها امتثالاً مشروعاً لأطر إنفاذ القانون الدولي المتعلقة بالمحتوى المحرّض على العنف، مستعيرةً لغة حوكمة المنصات والممارسات التنظيمية المشروعة لإضفاء شرعية ظاهرية على ما هو في جوهره رقابة سياسية. والمنصات التي تقبل هذا التأطير لا تنفّذ قراراً واحداً فحسب، بل تكرّس سابقة خطيرة يمكن لأي حكومة استبدادية استخدامها لاحقاً لإسكات معارضيها في الخارج.
. وفي إطار انتقال مثل هذه الممارسات السلطوية بين الدول العربية، يأتي هذا القرار في مصر بعد اتخاذ تدابير مشابهة في كلٍّ من السعودية والإمارات. فمنذ 30 أبريل 2026، قامت شركة ميتا بحجب حسابات على فيسبوك وإنستغرام تخص منظمات حقوقية ومدافعين عن حقوق الإنسان معنيين بمنطقة الخليج، من بينهم منظمة القسط لحقوق الإنسان، والديوان الديمقراطي، وعبدالله العودة، ويحيى عسيري، وذلك بناءً على طلبات رسمية من السلطات السعودية والإماراتية استناداً إلى قوانين الجرائم الإلكترونية. كما تُظهر تقارير ميتا الخاصة بقيود المحتوى فرض قيود على أكثر من 100 حساب منذ مارس 2026، شملت محتوى يتعلق بالتغطية الإعلامية للتوترات والصراعات الجيوسياسية في المنطقة، بما في ذلك تغطية الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
ويستند القرار المصري إلى البنية القانونية ذاتها التي استندت إليها الطلبات السعودية والإماراتية. واليوم، تمتلك الحكومتان السعودية والإماراتية دليلاً عملياً على استعداد ميتا للاستجابة لمثل هذه الطلبات، فيما تتقدّم مصر بالمطلب نفسه. وبذلك، فإن السابقة التي أرستها ميتا تشكّل الأساس الذي يستند إليه هذا القرار المصري.
وعليه، فإننا ندعو شركات ميتا وإكس (تويتر) وتيك توك وتيليغرام إلى:
- رفض الامتثال لقرار الحجب الصادر عن النيابة العامة المصرية بتاريخ 21 مايو 2026، والتأكيد علناً أنه لم ولن يتم اتخاذ أي إجراء بحق الحسابات المستهدفة.
- الإفصاح الفوري عمّا إذا كانت قد تلقت أي طلبات، رسمية أو غير رسمية، من السلطات المصرية أو الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بشأن هذه الحسابات، مع توضيح طبيعة أي إجراءات تم اتخاذها.
- إعادة أي حسابات أو محتوى تم تقييده بالفعل على خلفية هذا القرار.
- رفض الادعاء بأن تهم “الأخبار الكاذبة المهددة للأمن القومي” أو “التحريض” التي تستخدمها السلطات المصرية تستوفي أي معيار دولي مشروع لتقييد المحتوى، في ضوء التوثيق الواسع لإساءة استخدام هذه الاتهامات ضد الصحفيين والمعارضين.
- الالتزام العلني برفض أي طلبات حكومية تستهدف صحفيين أو معارضين سياسيين في المنفى بسبب ممارستهم المشروعة لحرية التعبير السياسي، بغض النظر عن الأداة القانونية المستخدمة.
كما ندعو شركة ميتا، فيما يتعلق بالسعودية والإمارات، إلى:
- إعادة جميع الحسابات التي فُرض عليها حجب جغرافي بناءً على طلب السلطات السعودية والإماراتية منذ مارس 2026.
- نشر الطلبات القانونية الكاملة الواردة من تلك الحكومات، إلى جانب تقييمات حقوق الإنسان التي تزعم ميتا أنها أجرتها، بما يشمل الجهة التي قامت بهذه التقييمات والمعايير التي استندت إليها.
- توضيح الدور الذي لعبته مكاتب ميتا الإقليمية في الخليج، إن وُجد، في معالجة هذه الطلبات.
وندعو المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، والمقرر الخاص المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى:
- توجيه مراسلات عاجلة إلى الحكومة المصرية تؤكد أن هذا القرار يتعارض مع التزامات مصر بموجب المادتين 19 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- التواصل مع شركات ميتا وإكس وتيك توك وتيليغرام وفقاً للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، للتأكيد على مسؤوليتها في رفض الامتثال لطلبات الرقابة التي لا تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
- دراسة استخدام مصر لمفهوم “آليات إنفاذ القانون الدولي” كوسيلة لتمرير القمع العابر للحدود عبر أنظمة امتثال المنصات الرقمية.







